لم تكن مواجهة بنين مجرد مباراة ودية، ولم يتعامل معها ملعب المونومنتال على هذا الأساس. فمنذ اللحظات التي سبقت صافرة البداية، بدا معقل ريفر بليت وكأنه يستعد لتوديع جزء من تاريخ المنتخب الأرجنتيني.
رفرفت صور ميسي في المدرجات، وظهر قميص عملاق يحمل اسمه ورقمه 10، بينما أضاءت الألعاب النارية سماء الملعب في ليلة أطلق عليها الاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم “التانغو الأخير”.
وكانت عائلة ميسي حاضرة في ليلة الوداع، ودخل قائد الأرجنتين إلى أرض الملعب برفقة أبنائه تياغو وماتيو وتشيرو، وغلبته مشاعره فذرف الدموع.
ولم يكن مدربه ليونيل سكالوني بعيدا عن المشهد العاطفي، إذ ظهر باكيا كذلك قبل انطلاق المباراة.
وشارك منتخب بنين في تكريم قائد الأرجنتين، قبل أن تبدأ المباراة الدولية رقم 208 والأخيرة لميسي بقميص منتخب بلاده.
وفي الدقيقة العاشرة، توقف اللعب ووقفت جماهير المونومنتال لتحية ميسي بالتصفيق، في إشارة رمزية إلى الرقم الذي ارتبط به طوال مسيرته مع المنتخب.
ميسي يهدد وبنين تصمد
بدأت الأرجنتين المباراة بضغط هجومي مبكر، وكان ميسي أبرز مصادر الخطورة، إذ اختبر حارس بنين بتسديدة قوية في الدقيقة السابعة.
وواصل قائد الأرجنتين تهديد المرمى وصناعة الفرص لزملائه، فأرسل عرضية خطيرة نحو لاوتارو مارتينيز، واقترب من التسجيل في أكثر من مناسبة، بينها كرة ثابتة كادت تباغت الحارس، لكن الشوط الأول انتهى بالتعادل السلبي.

ميسي يحاول التسديد خلال مواجهة بنين في مباراته الوداعية
هدف وصناعة في الوداع
تغيرت المباراة مع بداية الشوط الثاني، فسجل نيكولاس أوتامندي هدف التقدم في الدقيقة 48 بعد ركلة ركنية نفذها ميسي، وأضاف نيكو باز الهدف الثاني في الدقيقة 61 بتمريرة من قائد الأرجنتين.
وفي الدقيقة 71، سجل ميسي من ركلة جزاء الهدف الثالث للأرجنتين والـ126 في مسيرته الدولية.
وانتهت المباراة بفوز الأرجنتين 3-0، ليختتم ميسي مباراته الدولية الـ208 بهدف وتمريرتين حاسمتين، مسهما في الأهداف الثلاثة لمنتخب بلاده في ليلة الوداع.
من 40 ثانية إلى 208 مباريات
بدأ عام 2005 يرسم ملامح قصة ميسي مع الأرجنتين، بعدما قاد منتخب الشباب إلى لقب كأس العالم وسجل هدفي الفوز على نيجيريا في المباراة النهائية.
وبعد أسابيع، وتحديدا في 17 أغسطس/آب، خاض أول مباراة مع المنتخب الأول أمام المجر، لكن البداية انتهت سريعا بعدما أشهر الحكم البطاقة الحمراء في وجهه بعد ثوان قليلة من دخوله بديلا.
وبعد أكثر من 21 عاما، وصل ميسي إلى المونومنتال لخوض مباراته الدولية الـ208 والأخيرة مع الأرجنتين.
وبين البداية والنهاية، تحول الفتى القادم من برشلونة إلى قائد للمنتخب وهدافه التاريخي وأكثر لاعبيه مشاركة، لكن الطريق لم يكن سهلا.
فقد واجه لسنوات انتقادات بسبب غياب الألقاب مع المنتخب، وبلغت الضغوط ذروتها عام 2016، عندما أهدر ركلة ترجيح في نهائي كوبا أمريكا أمام تشيلي وأعلن اعتزاله دوليا، لكنه تراجع عن قراره وعاد إلى الأرجنتين.

ميسي يتحسر بعد إهدار ركلة ترجيح أمام تشيلي في نهائي كوبا أميركا 2016
من الانكسار إلى المجد
احتاج ميسي إلى سنوات أخرى حتى انقلبت القصة. ومع تولي ليونيل سكالوني قيادة المنتخب، بدأ الفصل الأكثر نجاحا في مسيرته الدولية، وتحول ميسي من قائد طاردته النهائيات الضائعة إلى قائد يرفع الكؤوس.
وجاء التحول الكبير في كوبا أمريكا 2021، عندما تغلبت الأرجنتين على البرازيل في ملعب ماراكانا، وتوج ميسي بأول لقب كبير مع المنتخب الأول.
وبعد عام، رفع كأس “فيناليسيما” في ويمبلي، لكن الصورة الأبرز في مسيرته جاءت في قطر.
ففي 18 ديسمبر/كانون الأول 2022، رفع ميسي كأس العالم في ملعب لوسيل، بعدما تعادلت الأرجنتين وفرنسا 3-3 بعد التمديد، ثم حسم منتخب “التانغو” النهائي بركلات الترجيح 4-2.
وأعاد اللقب الأرجنتين إلى قمة العالم للمرة الأولى منذ مونديال المكسيك 1986.

ميسي يرفع كأس العالم 2022 بعد تتويج الأرجنتين باللقب
وأضاف ميسي كوبا أمريكا 2024 إلى سجله، ثم خاض عام 2026 كأس العالم للمرة السادسة في مسيرته، وقاد الأرجنتين مجددا إلى النهائي قبل الخسارة أمام إسبانيا.

ميسي بعد خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا
من الانتقادات إلى المونومنتال
شهدت علاقة ميسي مع جماهير بلاده تحولا كبيرا، من لاعب واجه الانتقادات والنهائيات الضائعة إلى قائد أعاد كأس العالم إلى الأرجنتين بعد 36 عاما.
لذلك لم تكن ليلة المونومنتال مجرد مباراة ودية، بل الفصل الأخير في قصة بدأت بطرد بعد ثوان من ظهوره الأول، ووصلت إلى مباراته الـ208 وسط تصفيق ملعب كامل.
الوداع يصل إلى السماء
لكن الوداع لم يتوقف عند صافرة النهاية وتصفيق الجماهير.
بقي ميسي على أرض المونومنتال يتبادل العناق مع زملائه، قبل أن تبدأ مراسم التكريم الأخيرة. وظهر على أرض الملعب تصميم ضخم للرقم 10، ثم انتقلت الأنظار إلى السماء، حيث رسمت طائرات درون صورة ميسي بقميص الأرجنتين، وشكلت قلبا كبيرا وعبارة “غراسياس أرخنتينا” (شكرا يا أرجنتين).



