أثارت العقوبات الأميركية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على المحكمة الجنائية الدولية موجة من الإدانات الدولية، وسط تحذيرات من تداعياتها على العدالة الدولية، وتعهدات أوروبية وأممية بحماية استقلال المحكمة وضمان استمرارها في أداء مهامها.
وجاء التصعيد، الجمعة، بعد ساعات من فوز القاضية الجنوب إفريقية السابقة نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، في وقت تتزايد فيه الخلافات بين واشنطن والمحكمة بشأن اختصاصاتها وتحقيقاتها المتعلقة بمسؤولين أميركيين وإسرائيليين.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الرئيس ترامب لن يسمح للمحكمة بملاحقة مواطنين أميركيين قضائيًا، في موقف يعكس رفض واشنطن اختصاص المحكمة بالنظر في قضايا تتعلق بمواطنيها.
وتأتي الخطوة بعد عقوبات أميركية سابقة استهدفت قضاة ومدعين عامين في المحكمة، فيما تشمل الإجراءات الجديدة المؤسسة نفسها، مع منح الجهات التي تقدم خدمات لها مهلة ستة أشهر لإنهاء تعاملاتها معها.
المحكمة الجنائية الدولية: اعتداء على سيادة القانون
نددت المحكمة الجنائية الدولية بالعقوبات الأميركية، ووصفتها بأنها اعتداء على سيادة القانون وأسس النظام القانوني الدولي، ومحاولة لعرقلة العدالة ومنعها من أداء المهام التي أُنشئت من أجلها.
وقالت المحكمة إن الإجراءات تستهدف تعطيل عملياتها وترهيب موظفيها والجهات المتعاونة معها، مؤكدة أنها لن تسمح لهذه الضغوط بثنيها عن أداء مهامها، لكنها شددت على أن استمرار عملها يتطلب دعم الدول الأطراف فيها.
الأمم المتحدة تحذر من تقويض العدالة
دان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش العقوبات، معربًا عن قلقه العميق إزاء آثارها المتوقعة، ومعتبرًا أنها ضربة للجهود الدولية المشتركة الرامية إلى تحقيق العدالة الجنائية.
وجدد غوتيريش دعمه لاستقلال المحكمة ومسؤوليها، فيما وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك العقوبات بأنها «غير مقبولة»، محذرًا من تأثيرها في العاملين مع المحكمة أو المتعاونين معها في ملاحقة مرتكبي أخطر الانتهاكات.
ودعا تورك المجتمع الدولي إلى عدم السماح لهذه الإجراءات بترهيب الساعين إلى تحقيق العدالة، مؤكدًا أهمية حماية استقلال المؤسسات القضائية الدولية.
الاتحاد الأوروبي: مستعدون لاتخاذ التدابير اللازمة
أعرب الاتحاد الأوروبي عن أسفه للعقوبات الأميركية، مؤكدًا استعداده لاتخاذ التدابير الضرورية لتمكين المحكمة من مواصلة التحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وملاحقة المسؤولين عنها.
وقال رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إن الاتحاد سيعمل على حماية المحكمة وأعضائها وموظفيها، داعيًا واشنطن إلى استغلال مهلة الأشهر الستة المتاحة لإيجاد حل عبر الحوار.
كما أكد الاتحاد الأوروبي أهمية استمرار المحكمة في أداء عملها بفاعلية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى إمكانية استخدام أدوات قانونية أوروبية، من بينها قانون الحجب، للحد من آثار العقوبات الأميركية على المحكمة والجهات التي تتعامل معها.
هولندا وبلجيكا تدعوان إلى حماية المحكمة
أكدت هولندا، التي تستضيف مقر المحكمة في لاهاي، تمسكها بالدفاع عنها، مشيرة إلى أن المهلة المحددة قبل سريان القيود على الجهات المقدمة للخدمات تتيح مجالًا للحوار والتحرك الدبلوماسي.
من جهتها، أدانت بلجيكا العقوبات، محذرة من أن شلّ عمل المحكمة يحرم الضحايا من الوصول إلى العدالة ويمنح مرتكبي الجرائم الخطيرة فرصة للإفلات من المساءلة.
وقال وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو إن بلاده ستدفع باتجاه توفير حماية ملموسة للمحكمة، وإن الملف سيُطرح للنقاش مع نظرائه الأوروبيين، داعيًا إلى تفعيل قانون الحجب الأوروبي لحماية المحكمة والجهات الداعمة لها.
سويسرا واليابان تجددان دعمهما
جددت سويسرا دعمها للمحكمة الجنائية الدولية بصفتها مؤسسة قضائية مستقلة ومحايدة، مؤكدة رفضها العقوبات والتهديدات التي تستهدف استقلالها وقدرتها على أداء مهامها.
كما أعربت اليابان عن قلقها البالغ إزاء الإجراءات الأميركية، معتبرة أنها تتعارض مع موقف طوكيو الداعم للمؤسسات القضائية الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الدولية لقانون البحار.
وفي بيان مشترك، أعرب وزراء خارجية كندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا وبريطانيا عن رفضهم العقوبات، محذرين من أن تنفيذها قد يؤثر بصورة كبيرة في عمل المحكمة وموظفيها وعائلاتهم، ومؤكدين استمرار دعمهم لها.
وتضع هذه المواقف واشنطن أمام خلاف دبلوماسي متصاعد مع حلفائها، في وقت تتجاوز فيه تداعيات العقوبات مستقبل المحكمة نفسها إلى أوسع مناقشة بشأن استقلال القضاء الدولي وحدود المساءلة عن الجرائم الخطيرة.



