الرئيسيةمنوعاتصحة وجمالالاعتقال والإذلال.. ندوب نفسية تلاحق الرجال بعد الحرب

الاعتقال والإذلال.. ندوب نفسية تلاحق الرجال بعد الحرب

لا تنتهي آثار الحرب بالضرورة عند مغادرة مناطق الصراع أو الوصول إلى مكان أكثر أمانًا؛ فقد تستمر المعاناة النفسية لسنوات، خصوصاً لدى الرجال الذين عاشوا تجارب الاعتقال والأسر والإذلال، إلى جانب النزوح وفقدان الاستقرار. ويرى الباحث والممارس في التعافي من الصدمات النفسية والهجرة والوقاية من العنف، مايكل نيكونتشوك، أن فهم هذه التجارب يتطلب النظر إلى ما يعيشه الناجون داخلياً، بدلاً من اختزال معاناتهم في تشخيص نفسي واحد.

ويقول نيكونتشوك، المدير العام لمشروع «الأمان الداخلي» (Inner Safety Project)، والذي عمل نحو ثلاث سنوات في مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن، إن كثيراً من الرجال الذين عاشوا سنوات الحرب لم يتمكنوا بالضرورة من الانتقال إلى حياة مستقرة بعد مغادرتهم مناطق الصراع، بل ظلوا تحت ضغط نفسي مزمن ومستمر.

ويؤكد أن التعامل مع آثار الحرب لا ينبغي أن يفترض أن الصدمة انتهت بمجرد وصول الناجي إلى مكان أكثر أمنًا.

وشارك نيكونتشوك في مؤتمر صدمات الحرب 2026، الذي عُقد في عمّان خلال سبتمبر/أيلول، برعاية الأميرة غيداء طلال، ونظمته مؤسسة شروق الأمل (Early Light Foundation) بالتعاون مع مؤسسة الحسين للسرطان، بمشاركة خبراء وباحثين وممارسين في مجالات الصحة النفسية وصدمات الحروب والعمل الإنساني.

آثار الحرب لا تنتهي بمجرد النجاة

ويشير نيكونتشوك، الذي عمل ولا يزال يعمل بصورة مكثفة مع مجتمعات اللاجئين السوريين والناجين من الحرب في مناطق أخرى، إلى أن كثيراً من النماذج التقليدية في علم النفس تفترض انتهاء الحرب وانتقال الإنسان إلى مكان آمن قبل بدء ظهور أعراض الصدمة.

لكن هذا الافتراض لا ينطبق بالضرورة على مناطق عدة في الشرق الأوسط، حيث لا يمكن اعتبار مرحلة ما بعد الصدمة منتهية، في ظل استمرار الضغوط والظروف التي تؤثر في حياة الناجين.

ويوضح أن الرجل الذي عاش الحرب والنزوح قد يعاني في الوقت نفسه من الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة، إلى جانب مشاعر ترتبط بفقدان الأمان والقدرة والسيطرة على حياته.

ومن هذا المنطلق، يرى نيكونتشوك أن البدء بالتشخيص النفسي وحده لا يكفي لفهم معاناة الناجي، مشددًا على أهمية الانطلاق من أسئلة تساعد الشخص على فهم تجربته وما يمر به، مثل ما يريد معرفته عن نفسه، وما يسعى إلى فهمه بشأن معاناته، وما يحدث في حياته الداخلية.

الإذلال.. جرح يصعب الحديث عنه

يضع نيكونتشوك تجربة الإذلال ضمن أبرز التجارب المؤلمة التي قد يتعرض لها الرجال خلال الحروب والاعتقال والأسر، معتبراً أنها من أصعب التجارب الإنسانية.

ويشير إلى أن الحديث عن الإذلال قد يكون أكثر صعوبة لدى الرجال بسبب التوقعات الاجتماعية المرتبطة بهم، مثل إظهار القوة، وحماية الأسرة، وتحمل المسؤولية. وقد تجعل هذه التوقعات الاعتراف بمشاعر الضعف أو الخوف أو الإهانة أمرًا صعبًا، حتى عندما تكون تلك المشاعر جزءاً أساسياً من التجربة التي مر بها الرجل.

وفي هذا السياق، يشدد نيكونتشوك على أهمية استخدام القصص وسيلةً للوصول إلى مشاعر يصعب التعبير عنها مباشرة، موضحًا أن الشخصيات المستندة إلى تجارب حقيقية قد تساعد في الاقتراب من هذه المشاعر وفهمها.

الاعتقال والسجن.. الأثر يتجاوز مدة الاحتجاز

وفي حديثه عن الاعتقال والسجن، يوضح نيكونتشوك أن التجربة تترك أثراً قاسياً، سواء استمرت يوماً واحداً أو امتدت سنوات، لافتًا إلى أن تأثيرها لا يرتبط بمدة الاحتجاز وحدها.

فما قد يتعرض له الإنسان خلال الاعتقال من انكسار وإذلال، وما يصاحبه من شعور بفقدان الكرامة والقدرة على التحكم في حياته، قد يشكل جزءًا أساسيًا من الأثر النفسي الذي يحمله بعد انتهاء الاحتجاز.

وتبرز هذه التجارب، وفق الطرح الذي يقدمه نيكونتشوك، أهمية فهم ما مر به الناجي على المستوى الإنساني والنفسي، وعدم التعامل مع مدة الاعتقال بوصفها المعيار الوحيد لتقدير حجم المعاناة.

استعادة الدور بعد الأسر

ويرى نيكونتشوك أن استعادة الشخص شعوره بأنه مفيد وله دور في المجتمع تمثل أحد العناصر المهمة في التعافي بعد الاعتقال، خصوصاً أن السجن قد يقطع صلته لفترة بالعمل والدراسة وإعالة الأسرة ورعاية الأطفال.

ويوضح أن مساعدة الناجي على استعادة إحساسه بأنه شخص له قيمة، وأن وجوده مطلوب داخل أسرته ومجتمعه، يمكن أن تكون جزءًا من عملية التعافي نفسها، لا مجرد نتيجة يُفترض الوصول إليها بعد العلاج.

وبذلك، لا يقتصر التعامل مع آثار الحرب والاعتقال على فهم الأعراض النفسية أو تشخيصها، بل يمتد إلى مساعدة الناجين على استعادة إحساسهم بالأمان والقدرة على أداء أدوارهم في الحياة، في وقت قد تظل فيه آثار التجارب القاسية حاضرة حتى بعد انتهاء المواجهات أو مغادرة أماكن الصراع.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات