راكين نيوز – العميد المتقاعد احمد السيايده
هنالك أسئلة لا يجوز أن تبقى معلقة، فعندما تقع جريمة إرهابية أو اعتداء يستهدف رجال الأمن أو المواطنين، فإن المشهد لا ينتهي عند حدود الحادثة، ولا يجوز أن تختصر معالجته في بيان رسمي أو إدانة شعبية أو موجة غضب عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي. فالأحداث الأمنية الخطيرة تفرض علينا التوقف أمام مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي تتجاوز تفاصيل الحادثة إلى مراجعة المنظومة التي يفترض أن تمنع وقوعها، وتحد من مخاطرها، وتحمي المجتمع من تكرارها.
إن أمن الوطن ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، وإن كانت تتحمل المسؤولية التنفيذية والمهنية الأكبر في حماية الأمن والاستقرار، كما أن حق المواطن في السؤال والمعرفة ليس تدخلا في عمل المؤسسات، ولا انتقاصا من تضحيات رجالها، بل هو حق أصيل، ووجه من أوجه الشراكة الوطنية.
ومن المهم أن نفرق بين الثقة بالمؤسسات وبين إعفائها من المسائلة، فالثقة الحقيقية لا تبنى بالصمت، ولا تتحقق بتجاهل مواطن الخلل، وإنما تترسخ بالشفافية والمراجعة والمحاسبة وتطوير الأداء.
وهنا تبرز تساؤلات لا بد من وضعها على طاولة النقاش الوطني
أولا: هل تملك الأجهزة الأمنية الصلاحيات والأدوات الكافية للتعامل مع التهديدات الإرهابية؟
وهل هناك توازن حقيقي بين القيود القانونية والإجرائية وبين سرعة الاستجابة للمواقف التي تهدد حياة رجال الأمن والمواطنين؟
وكيف نضمن أن يكون رجل الأمن قادرا على حماية نفسه وحماية المواطن دون أن يقع تحت طائلة الاجتهاد الخاطئ أو تجاوز القانون؟ فالقانون يجب أن يحمي الجميع، وأن يمنح رجل الأمن القدرة على أداء واجبه ضمن صلاحيات واضحة ومدروسة.
ثانيا: هل منظومتنا الأمنية تعمل بمنطق الوقاية أم تنتظر وقوع الخطر حتى تبدأ المعالجة؟
فنجاح الأجهزة الأمنية لا يقاس فقط بسرعة القبض على الجناة بعد وقوع الجريمة، بل يقاس بقدرتها على اكتشاف التهديد قبل تحوله إلى فعل، ورصد المؤشرات الخطرة، وتفكيك الشبكات التي تغذي التطرف والعنف. فالوقاية الناجحة قد لا يراها المواطن، لكنها أعظم إنجازات العمل الأمني.
ثالثا: ماذا يحدث بعد انتهاء محكومية أصحاب الفكر المتطرف؟
وهل توجد برامج حقيقية لإعادة التأهيل الفكري والسلوكي؟ وهل تخضع هذه البرامج للتقييم وقياس النتائج؟
ومن يتحمل مسؤولية متابعة الحالات التي تثبت خطورتها ضمن الأطر القانونية؟
إن انتهاء العقوبة لا يعني بالضرورة انتهاء الخطر، كما أن العقوبة وحدها لا تكفي لمعالجة فكر متجذر ما لم ترافقها معالجة فكرية واجتماعية ونفسية متخصصة.
رابعا: من أين يستمد الفكر المتطرف قوته واستمراريته؟
هل نواجه أفرادا معزولين، أم أن هناك بيئات حاضنة ومنابر وأفكارا وخطابات تبرر العنف وتمنحه غطاء فكريا؟
ولماذا لا تكون هناك مواجهة فكرية ومجتمعية أكثر فاعلية لكل خطاب يحرض على الكراهية أو يبرر الاعتداء على الدولة ومؤسساتها ورجالها ومواطنيها؟
خامسا: هل هناك مراجعة مؤسسية حقيقية بعد كل حادث أمني؟
وهل يتم تحليل أوجه القصور إن وجدت، وتحديد المسؤوليات، واستخلاص الدروس، وتطوير الإجراءات؟ أم أننا نكتفي بالتعامل مع كل حادثة باعتبارها واقعة منفصلة؟
إن المؤسسات القوية لا تخشى مراجعة أدائها، بل تعتبر الاعتراف بالخلل ومعالجته مصدر قوة لا نقطة ضعف.
سادسا: أين تبدأ مسؤولية المجتمع وأين تنتهي؟
هل أصبحنا نتعامل مع التطرف والعنف باعتبارهما مشكلة أمنية فقط؟ أين دور الأسرة والمدرسة والجامعة ودور العبادة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني؟ وكيف نعيد بناء ثقافة ترفض التطرف قبل أن يتحول إلى جريمة، وترفض التبرير قبل أن يتحول إلى تحريض، وندرك أن الصمت أمام الأفكار الخطرة قد يكون بداية لمشكلة أكبر؟
سابعا: هل يحتاج رجل الأمن إلى دعم أكبر من المجتمع ومن الدولة؟
فرجل الأمن الذي يقف في الميدان ليس مجرد موظف يؤدي مهمة وظيفية، بل إنه إنسان يواجه الخطر ويتحمل مسؤولية حماية الآخرين. ومن حقه أن يحصل على التدريب والتجهيز والحماية القانونية والدعم النفسي والمهني اللازم، وأن يشعر بأن الدولة تقف خلفه ما دام يؤدي واجبه ضمن القانون.
ثامنا: كيف نحمي هيبة الدولة دون المساس بحقوق المواطنين؟
إن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على فرض القانون فحسب، بل بقدرتها على تطبيقه بعدالة على الجميع، دون استثناء أو انتقائية. فلا حصانة لمتطرف، ولا تهاون مع من يهدد أمن المجتمع، وفي المقابل لا يجوز أن تكون مواجهة الإرهاب مبررا لتجاوز القانون أو المساس بحقوق الأبرياء.
إننا لا نطرح هذه الأسئلة من باب التشكيك أو إثارة البلبلة، ولا من باب تحميل المسؤولية لطرف دون آخر، وإنما من منطلق أن أمن الأردن واستقراره خط أحمر، وأن الحفاظ عليه يتطلب عملا يتجاوز ردود الفعل إلى بناء استراتيجية وطنية متكاملة.
الأردن ليس مجرد حدود جغرافية، والأمن ليس مجرد دوريات ومراكز أمنية، والدولة ليست مؤسسات منفصلة عن شعبها.
إنها منظومة متكاملة أساسها الثقة، وعمادها القانون، وقوتها في مؤسساتها، وسياجها وعي مواطنيها.
نحن بحاجة إلى إجابات واضحة، ومراجعة جادة، وإجراءات وقائية أكثر فاعلية، ومحاسبة عادلة عند ثبوت التقصير، دون تهويل أو تبرير أو مجاملة.
فليس من الوطنية أن نصمت عن الأسئلة خوفا من اتهامنا بالتشكيك، وليس من المسؤولية أن نحول كل حادثة إلى ساحة لتبادل الاتهامات.
الوطن أكبر من الأشخاص، وهيبة الدولة أكبر من المناصب، ودماء الأردنيين أغلى من أن نتعامل مع أسباب إراقتها بردود فعل مؤقتة.
نريد دولة قوية بمؤسساتها، عادلة بقانونها، يقظة بأجهزتها، ومتماسكة بشعبها. دولة لا تنتظر وقوع الخطر لتتحرك، ولا تكتفي بمعالجة النتائج بينما تترك الأسباب تنمو في الظل.
فالسؤال اليوم ليس فقط: كيف وقعت الحادثة؟
بل السؤال الأهم: ماذا سنفعل حتى لا تتكرر؟
العميد المتقاعد أحمد عبدالرحمن السيايده



