الرئيسيةأقلامأين تعلمتم يا كركية؟!

أين تعلمتم يا كركية؟!

رحم الله شهداء حمود، وأعان أهلهم على هذا الفقد، وحفظ الأردن وأهله.

أتابع الوفود التي تتوافد على حمود: مسؤولين، وأجهزة أمنية، وصحفيين، وشيوخًا، ومواطنين جاؤوا من مختلف أنحاء الأردن ليقفوا مع أهلها في مصابهم.

وبين هذه المشاهد، استوقفني اتزان أبناء الكرك، وخصوصًا الشباب منهم، وقدرتهم على التعبير عن أفكارهم وسط الفاجعة. أحدهم يتحدث بعفوية، ولو نقلت كلماته إلى الورق لخرجت بمقال متكامل. ونحن نبحث ونراجع ونرتّب أفكارنا لنكتب، ثم يأتي شاب يتحدث أمام الكاميرا كأنه في مجلس أصدقائه، فيقول ما نحتاج نحن إلى صفحات لنقوله.

وجدتني أفكّر في البيوت والمجالس والمدارس التي أسهمت في تكوين هؤلاء الشباب، وفي ما يمكن لأبنائي أن يتعلّموه بينهم.

وقد حرّك هذا المشهد فيّ رغبة جدية في العودة إلى الأردن، وتحديدًا إلى الكرك. بدأت بالفعل أبحث عن قطعة أرض أبني عليها بيتًا، ولو صغيرًا، ولو كوخًا خشبيًا، أقضي فيه الصيف مع أبنائي. حجم البيت صار تفصيلًا أمام فكرة أن نعيش بين هؤلاء الناس.

مع تقديري لمدارس كندا وما تقدّمه، أريد لأبنائي أيضًا أن يعرفوا وطنهم من أهله، ويسمعوا العربية في يومهم، ويجلسوا في هذه المجالس، ويتعلّموا كيف يقف الناس مع بعضهم في الشدة. أريد أن تكون علاقتهم بالأردن علاقة حياة وناس وذكريات.

ثم تجاوز خيالي شراء الأرض وبناء البيت. تخيّلت يومًا عاديًا نعيشه هناك: نستيقظ صباحًا، نخرج للمشي على رصيف آمن، ونأخذ الأطفال إلى حديقة، ونعود مساءً في شارع مضاء.

وهنا بدأ حزن آخر يرافق حزني على الشهداء.

فبعض الصور والمقاطع التي تابعتها أثارت أسئلتي عن الطرق والمساحات العامة والمباني التي بدت متهدمة. والمشاهد المتفرقة لا تكفي لتقييم الخدمات في الكرك وقراها؛ لذلك أتوجّه بالسؤال إلى المسؤولين عنها:

كيف تُعالج أوضاع المباني المتهدمة التي قد تشكّل خطرًا؟ وما مدى قرب المراكز الأمنية وسهولة الوصول إليها؟

حضور المسؤولين ومواساتهم لأهل القرية واجب مقدّر.

والسؤال لكل مسؤول زار حمود: وأنت تعبر طرق الكرك وقراها، هل علق التراب بعجلات سيارتك في طريق يحتاج إلى تعبيد؟ وهل فكّرت في الطفل الذي يسلكه إلى مدرسته، والمسن الذي يسير عليه كل يوم؟ هل سألت عن الإنارة التي يحتاج إليها الناس بعد انصراف الوفود، وعن المكان الذي سيخرج إليه الأطفال حين تعود الحياة إلى أيامها العادية؟

وسؤالي يتجاوز حمود إلى راكين والعدنانية وآدر وبتير، وإلى قرى الكرك وسائر القرى الأردنية. لكل قرية احتياجاتها، والخدمات الأساسية حق لأهلها.

نلوم الناس على ترك قراهم والانتقال إلى المدن، وندعو المغتربين إلى العودة. فما الذي نقدّمه لشاب يريد بناء حياته في قريته، ولأسرة تريد تربية أطفالها فيها؟ الانتماء يستحق أن تسنده خدمات وفرص تجعل البقاء ممكنًا، والعودة قرارًا يستطيع الإنسان تنفيذه.

أحزن على الشهداء الذين فقدناهم، وأحزن وأنا أرى هذا الوعي وهذه المحبة، ثم أتساءل عن أبسط تفاصيل الحياة التي تُقدَّم لأصحابها.

أتمنى أن يبقى من هذه الزيارات اهتمام يراه الناس في يومهم: طريق يُصلَح، وإنارة تُستكمَل، وحديقة تُفتَح، واحتياج يُسمَع ويُلبّى.

هؤلاء الناس أعادوا إليّ الرغبة في العودة إلى الوطن. فماذا نقدّم لهم كي يبقوا فيه؟

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات