الرئيسيةأقلاممن حمود نبدأ…

من حمود نبدأ…

راكين نيوز – كتب هيثم ضمرة

منذ الجريمة الإرهابية التي أصابت أهلنا في حمود، يؤرقني سؤال: ماذا سنفعل من أجل الذين سيواصلون حياتهم هناك؟ ماذا عن أطفال القرية الذين سيمرّون يومياً أمام قبور أحبّتهم؟ وماذا عن شبابها، وبيوتها التي نريد أن تعمر بأهلها وتكبر بهم؟

كثيرون عرفوا اسم حمود من أخبار الفاجعة، وارتبط اسم القرية بالموت. ومن مسؤوليتنا أن يعرفوها أيضاً بالحياة والفرح. أعرف أن هذا الكلام قد يبدو مبكراً، وأن الجرح لم يبرد بعد، لكن وفاءنا للشهداء يشمل أبناءهم وأهل القرية جميعاً.

ومن هنا أدعو إلى مبادرة تجمع أموال المغتربين وخبرات أبناء القرى في تعاونيات إنتاجية، تبدأ من حمود، وتتوسع حين تثبت نجاحها.

نحن المغتربين نشعر بصعوبة الأوضاع في وطننا، وكثيرون منا مستعدون للاستثمار فيه. وأنا، مثلاً، قد أستطيع تخصيص مبلغ مالي، لكنني لا أستطيع أن أترك عملي وحياتي في كندا لأتابع مشروعاً جديداً في الأردن. فمن سيدير هذه الأموال، وكيف أعرف ما جرى بها وأنا بعيد؟

هذا هو السؤال الذي يجب أن تجيب عنه أي دعوة لاستثمار المغتربين. رغبتنا في خدمة بلدنا تحتاج إلى مؤسسة نستطيع الوثوق بها.

لذلك أقترح التعاونيات، وهي تجربة قائمة أصلاً في الأردن. وما نحتاج إليه نموذج يجمع رأس المال بالإدارة المتفرغة والخبرة المحلية، ويجعل للمساهم حقوقاً واضحة وقدرة على المتابعة والمساءلة.

نحتاج إلى مجلس منتخب، وإدارة تنفيذية تُختار بالكفاءة، وحسابات مدققة، وتقارير تكشف الإيرادات والمصروفات والنتائج. وتساند الجهات الرسمية والبلديات المشروع بالتسهيلات والرقابة ضمن صلاحياتها، وتحكم التوظيف والمشتريات قواعد معلنة تمنع المحاباة وتضارب المصالح.

والمساهمة الاستثمارية تحتمل الربح والخسارة. لذلك يجب أن يعرف العضو منذ البداية حقوقه والتزاماته، وآلية توزيع الفائض، وشروط الانسحاب، والجهة التي يحاسبها. بهذه التفاصيل تُبنى الثقة التي تجعل المغترب مستعداً لوضع ماله في قريته.

وأرى في الأغنام والماعز نموذجاً يستحق الدراسة؛ لما نملكه من خبرة في تربيتها ومنتجات نعرف قيمتها، كالجميد والأجبان والألبان. لكن المشروع يبدأ بحساب الأعلاف والمياه والعمالة والرعاية البيطرية، وبمعرفة المشتري والسعر، قبل شراء القطيع.

يمكن للتعاونية أن تشارك المربين الموجودين، وتجمع شراء الأعلاف والخدمات، وتنظم تجميع الحليب وتبريده وتصنيعه وتعبئته وتسويقه. فتصبح خبرة أهل القرية أساساً لمشروع يوسع أعمالهم ويخلق فرصاً لغيرهم. ويأتي التصدير حين نستوفي متطلباته ونثبت قدرتنا على الإنتاج والبيع باستمرار.

وأستحضر هنا محطة الوالة في مادبا، التي زرتها أكثر من مرة، وأشكر المهندس محمد السنيد، مدير المحطة خلال زياراتي، والقائمين عليها على الجهود التي شاهدتها شخصياً. لدينا خبرات يمكن الاستفادة منها في التدريب وتحسين الإنتاج، وربط المعرفة بدخل المربين.

وفي كندا، حيث أعيش، يعمل قطاع حليب الأبقار بنظام «إدارة العرض»، الذي ينظم الإنتاج والتسعير والواردات. وما أستخلصه من هذه التجربة هو أهمية أن يعمل المنتج ضمن منظومة تساعده على التخطيط. ويمكننا أن ندرس ما يناسب موارد الأردن وأسواقه.

أما قدرة المغتربين على التمويل، فلنأخذ مثالاً حسابياً بسيطاً: لو شارك مئتا ألف شخص، بمئة دولار لكل منهم، لاجتمع عشرون مليون دولار. هذا مثال على قوة المساهمة الصغيرة حين تتجمع. والبداية العملية تكون بمشروع محدد، وكلفة مدروسة، وعدد مشاركين يمكن الوصول إليه؛ ثم تتوسع بقدر ما تكسبه من ثقة.

وأعرف أن للمغترب التزاماته، وأن مئة دولار تختلف قيمتها من بيت إلى آخر. المشاركة على قدر الاستطاعة، ومن حق المشارك أن يسأل عما سيعود عليه.

يستطيع أن يملك مساهمة معلومة الحقوق، وفرصة عائد إذا نجح المشروع، وأن يسهم في خلق عمل لأبناء منطقته. وحين يفكر بالعودة، قد يجد في بلدته فرصاً أوسع مما تركها عليه. ومن أراد تخصيص ما يستحقه من عائد لكفالة يتيم أو تعليم طالب، فله أن يفعل ضمن ترتيب واضح.

وخلال إقامتي في أرمينيا ووجودي فيها أثناء الحرب، تعلمت أن ارتباط المغترب بوطنه يكتسب قوة حين يجد طريقاً منظماً للعمل. فقد تجاوزت تبرعات حملة صندوق «هاياستان» خلال حرب عام 2020 ثمانين مليون دولار في نحو عشرة أيام، بمشاركة الأرمن في الداخل والمهجر. ونحن أيضاً قادرون على جمع المال والخبرة والعلاقات لخدمة قرانا.

أقترح أن نبدأ من حمود بمبادرة «قرى الحياة»: لجنة تأسيسية من أهل الخبرة وأبناء المنطقة والمغتربين، تدرس الاحتياجات والجدوى، وتختار الصيغة القانونية المناسبة، وتعلن المشروع وكلفته وشروط المشاركة والرقابة قبل جمع الأموال.

نبدأ بما نستطيع إدارته وإنجاحه. ثم نحمل التجربة إلى راكين والعدنانية وأدر وبتير، وسائر قرى الأردن، وفق موارد كل قرية واحتياجاتها.

وأنا مستعد للمساهمة في مبادرة جادة بهذه المواصفات، ولمواصلة المساهمة وفق قدرتي وما يثبت نجاحه.

أريد لطفل حمود أن يرى محلاً يفتح قرب بيته، وأن يستقبل صديقاً عادت أسرته إلى القرية. أريده أن يكبر وهو يعرف أن الأردنيين الذين حضروا لمواساة أهله ظلوا إلى جانبهم وهم يبنون مستقبلهم.

فلنبدأ من حمود، حتى يجد أطفالها، حين يكبرون، أسباباً للبقاء في البيوت التي أحبها آباؤهم.

هيثم ضمره

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات